Search Website

مُلحَقاتُ المناسك
مناسكُ الحَجّ

مناسكُ الحَجّ

شرائط وجوب حجّة الإسلام

الشرط الأول: البلوغ. 

فلا يجب الحجّ على غير البالغ وإن كان مراهقاّ، ولو حجّ الصبيّ لم يجزئه عن حجّة الإسلام وإن كان حجّه صحيحاً على الأظهر. 

مسألة 4: إذا خرج الصبيّ إلى الحجّ فبلغ قبل أن يحرم من الميقات وكان مستطيعاً ــ ولو من موضعه ــ فلا إشكال في أن حجّه حجّة الإسلام. 

وإذا أحرم فبلغ بعد إحرامه قبل الوقوف بالمزدلفة أتمّ حجّه وكان حجّة الإسلام أيضاً على الأقوى. 

مسألة 5: إذا حجّ ندباً معتقداً بأنّه غير بالغ، فبان بعد أداء الحجّ أو في أثنائه بلوغه، كان حجّه حجّة الإسلام فيجتزئ به. 

مسألة 6: يستحبّ للصبيّ المميّز أن يحجّ، ولكنّ المشهور أنّه يشترط في صحته إذن الوليّ، وهو غير بعيد. 

مسألة 7: لا يعتبر إذن الأبوين في صحّة حجّ البالغ مطلقاً. 

نعم، إذا أوجب خروجه إلى الحجّ المندوب أذيّة أبويه أو أحدهما شفقةً عليه من مخاطر الطريق مثلاً لم يجز له الخروج. 

مسألة 8: يستحبّ للوليّ إحجاج الصبيّ غير المميّز ــ وكذا الصبيّة غير المميّزة ــ وذلك بأن يلبسه ثوبي الإحرام ويأمره بالتلبية ويلقّنه إيّاها ــ إن كان قابلاً للتلقين وإلاّ لبّى عنه ــ ويجنّبه عمّا يجب على المحرم الاجتناب عنه، ويجوز أن يؤخّر تجريده عن المخيط وما بحكمه إلى فخ ــ إذا كان سائراً من ذلك الطريق ــ ويأمره بالإتيان بكل ما يتمكّن منه من أفعال الحجّ، وينوب عنه فيما لا يتمكّن، ويطوف به، ويسعى به بين الصفا والمروة، ويقف به في عرفات والمشـعر، ويأمـره بالرمي إن  قدر عليه وإلاّ رمى عنه، وكـذلك صـلاة الطواف، ويحلق رأسه، وكذلك بقية الأعمال. 

مسألة 9: لا بأس بأن يحرم الوليّ بالصبيّ وإن كان نفسه مُحلاً. 

مسألة 10: الأظهر أن الوليّ الذي يستحبّ له إحجاج الصبيّ غير المميّز هو كلّ من له حقّ حضانته من الأبوين أو غيرهما بتفصيل مذكور في كتاب النكاح. 

مسألة 11: نفقة حجّ الصبيّ فيما يزيد على نفقة الحضر على الوليّ لا على الصبيّ.

نعم، إذا كان حفظ الصبيّ متوقفاً على السفر به أو كان السفر مصلحة له كانت نفقة أصل السفر في ماله، لا نفقة الحجّ به لو كانت زائدة عليه. 

مسألة 12: ثمـن هـدي الصبيّ غـير المميّز على الـوليّ، وكذا كفـّارة صيده، وأما الكفّارات التي تجب عند الإتيان بموجبها عمداً فالظاهر أنّها لا تجب بفعل الصبيّ ــ وإن كان مميّزاً ــ لا على الوليّ ولا في مال الصبيّ. 

الشرط الثاني: العقل. 

فلا يجب الحجّ على المجنون، نعم إذا كان جنونه أدوارياً ووفى دور إفاقته بالاتيان بمناسك الحجّ ومقدّماتها غير الحاصلة وكان مستطيعاً، وجب عليه الحجّ وإن كان مجنوناً في بقيّة الأوقات، كما أنّه لو علم بمصادفة دور جنونه لأيّام الحجّ دائماً وجبت عليه الاستنابة له حال إفاقته. 

الشرط الثالث: الحريّة 

الشرط الرابع: الاستطاعة

ويعتبر فيها أمور: 

الأول: السعة في الوقت، ومعنى ذلك وجود القدرالكافي من الوقت للذهاب إلى الأماكن المقدّسة والقيام بالأعمال الواجبة فيها. وعليه، فلا يجب الحجّ إذا كان حصول المال أو توفر سائر الشرائط في وقت لا يسع للذهاب إليها وأداء مناسك الحجّ، أو أنّه يسع ذلك ولكن بمشقّة شديدة لا تتحمل عادة. وحكم ذلك من حيث وجوب التحفّظ على المال إلى السنة القادمة وعدمه يظهر مما يأتي في (المسألة 39). 

الثاني: صحّة البدن وقوّته، فلو لم يقدر ــ لمرض أو هرم ــ على قطع المسافة إلى الأماكن المقدّسة، أو لم يقدر على البقاء فيها بمقدار أداء أعمالها لشدّة الحرّ مثلاً، أو كان ذلك حرجيّاً عليه، لم يجب عليه الحجّ مباشرة، ولكن تجب عليه الاستنابة على ما سيجئ تفصيله في (المسألة 63). 

الثالث: تخليـة السـرب، ويقصد بها أن يكون الطريق مفتوحاً ومأموناً، فلا يكون فيه مانع لا يمكن معه من الوصول إلى الميقات أو إلى الأراضي المقدّسة، وكذا لا يكون خطراً على النفس أو المال أو العرض، وإلاّ لم يجب الحجّ. هذا في الذهاب، وأما الإياب ففيه تفصيل يأتي نظيره في نفقة الإياب في (المسألة 22). 

وإذا عرض على المكلّف بعد تلبّسه بالإحرام ما يمنعه من الوصول إلى الأماكن المقدّسة من مرض أو عدوّ أو نحوهما فله أحكام خاصّة ستأتي إن شاء الله تعالى في بحث المصدود والمحصور. 

مسألة 13: إذا كان للحجّ طريقان أبعدهما مأمون والأقرب غير مأمون لم يسقط وجوب الحجّ، بل وجب الذهاب من الطريق المأمون وإن كان أبعد.

نعم، إذا استلزم ذلك الدوران في البلاد كثيراً بحيث لا يصدق عرفاً أنّه مخلّى السرب، لم يجب عليه الحجّ.

مسألة 14: إذا كان له في بلده مال يتلف بذهابه إلى الحجّ، وكان ذلك مجحفاً بحاله، لم يجب عليه الحجّ. 

وإذا استلزم الإتيان بالحجّ ترك واجب أهم من الحجّ ــ كإنقاذ غريق أو حريق ــ أو مساوٍ له، تعيّن ترك الحجّ والإتيان بالواجب الأهمّ في الصورة الأولى، ويتخيّر بينهما في الصورة الثانية، وكذلك الحال فيما إذا توقّف أداء الحجّ على ارتكاب محرّم كان الاجتناب عنه أهمّ من الحجّ أو مساوياً له. 

مسألة 15: إذا حجّ مع استلزام حجّه ترك واجب أهمّ أو ارتكاب محرّم كذلك، فهو وإن كان عاصياً من جهة ترك الواجب أو فعل الحرام، إلاّ أن الظاهر أنّه يجزئ عن حجّة الإسلام إذا كان واجداً لسائر الشرائط، ولا فرق في ذلك بين من كان الحجّ مستقرّاً عليه ومن كان أول سنة استطاعته. 

مسألة 16: إذا كان في الطريق عدوّ لا يمكن دفعه إلا ببذل المال له، فإن كان بذله مجحفاً بحاله لم يجب عليه ذلك وسقط وجوب الحجّ، وإلاّ وجب. 

نعم، لا يجب بذل المال لأجل استعطافه حتى يفتح الطريق ويخلّي السرب. 

مسألة 17: لو انحصر الطريق بالبحر مثلاً، واحتمل في ركوبه الغرق أو المرض أو نحوهما احتمالاً عقلائياً، أو كان موجباً للقلق والخوف الذي يعسر عليه تحمّله ولا يتيسّر له علاجه، سقط عنه وجوب الحجّ، ولكن لو حجّ مع ذلك صحّ حجّه على الأظهر.

الرابع: النفقة، ويعبّر عنها بالزاد والراحلة، ويقصد بالزاد: كلّ ما يحتاج إليه في سفره من المأكول والمشروب وغيرهما من ضروريات ذلك السفر، ويراد بالراحلة: الوسيلة النقليّة التي يستعان بها في قطع المسافة، ويعتبر فيهما أن يكونا ممّا يليق بحال المكلّف، ولا يشترط وجود أعيانهما، بل يكفي وجود مقدار من المال (النقود أو غيرها) يمكن أن يصرف في سبيل تحصيلهما.

مسألة 18: يختصّ اشتراط وجود الراحلة بصورة الحاجة إليها، لا مطلقاً ولو مع عدم الحاجة، كما إذا كان قادراً على المشي من دون مشقة ولم يكن منافياً لشرفه. 

مسألة 19: العبرة في الزاد والراحلة بوجودهما فعلاً، فلا يجب على من كان قادراً على تحصيلهما بالاكتساب ونحوه، ولا فرق في اشتراط وجود الراحلة مع الحاجة إليها بين القريب والبعيد. 

مسألة 20: الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحجّ إنما هي الاستطاعة من مكانه لا من بلده، فإذا ذهب المكلّف إلى بلد آخر للتجارة أو لغيرها وكان له هناك ما يمكن أن يحجّ به من الزاد والراحلة، أو ما يفي بتحصيلهما من النقود ونحوها، وجب عليه الحجّ، وإن لم يكن مستطيعاً من بلده. 

مسألة 21: إذا كان للمكلّف ملك ولم يوجد من يشتريه بثمن المثل، وتوقّف الحجّ على بيعه بأقل منه وجب البيع وإن كان أقلّ منه بمقدار معتدّ به إلاّ أن يكون مجحفاً بحاله. 

وإذا ارتفعت الأسعار فكانت أجرة المركوب مثلاً في سنة الاستطاعة أكثر منها في السنة الآتية، لم يجز التأخير لمجرّد ذلك بعد فرض وجوب المبادرة فيها إلى الحجّ. 

مسألة 22: إنّما يعتبر وجود نفقة الإياب في وجوب الحجّ فيما إذا أراد المكلّف العود إلى وطنه، وأمّا إذا لم يرد العود وأراد السكنى في بلد آخر غير وطنه، فلا بُدّ من وجود النفقة إلى ذلك البلد، ولا يعتبر وجود مقدار العود إلى وطنه.

نعم، إذا كان الذهاب إلى البلد الذي يريد السكنى فيه أكثر نفقة من الرجوع إلى وطنه، لم يعتبر وجود النفقة إلى ذلك المكان، بل يكفي في الوجوب وجود مقدار العود إلى وطنه إلاّ مع الاضطرار إلى السكنى فيه.

الخامس: الرجوع إلى الكفاية، وهو التمكن بالفعل أو بالقوّة من إعاشة نفسه وعائلته بعد الرجوع إذا خرج إلى الحجّ وصرف ما عنده في نفقته، بحيث لا يحتاج إلى التكفّف ولا يقع في الشدّة والحرج. 

وبعبارة واضحة: يلزم أن يكون المكلّف على حالة لا يخشى معها على نفسه وعائلته من العوز والفقر بسبب الخروج إلى الحجّ أو صرف ما عنده من المال في سبيله. 

وعليه فلا يجب الحجّ على من كان كسوباً في خصوص أيّام الحجّ، بحيث لو ذهب إلى الحجّ لا يتمكّن من الكسب ويتعطّل أمر معاشه في سائر أيّام العام أو بعضها. 

كما لا يجب على من يملك مقداراً من المال يفي بمصارف الحجّ وكان ذلك وسيلة لإعاشته وإعاشة عائلته، مع علمه بأنّه لا يتمكّن من الإعاشة عن طريق آخر يناسب شأنه. 

فبذلك يظهر أنّه لا يجب بيع ما يحتاج إليه في ضروريّات معاشه من أمواله، ولا ما يحتاج إليه منها ممّا يكون لائقاً بحاله لا أزيد ــ كمّاً أو كيفاً ــ فلا يجب بيع دار سكناه وثياب تجمّله وأثاث بيته إذا كانت كذلك، ولا آلات الصنائع التي يحتاج إليها في معاشه، ونحو ذلك مثل الكتب بالنسبة إلى أهل العلم ممّا لا بُدّ منه في سبيل تحصيله. 

وعلى الجملة: لا يكون الإنسان مستطيعاً للحجّ إذا كان يملك فقط ما يحتاج إليه في حياته، وكان صرفه في سبيل الحجّ موجباً للعسر والحرج. 

نعم، لو زادت الأموال المذكورة عن مقدار الحاجة بقدر نفقة الحجّ ــ ولو بضميمة ما لديه من غيرها ــ لكان مستطيعاً، فيجب عليه أداء الحجّ ولو ببيع الزائد وصرف ثمنه في نفقته. 

بل من كان عنده دار قيمتها عشرة آلاف دينار ــ مثلاً ــ ويمكنه بيعها وشراء دار أُخرى بأقلّ منها من دون عسر وحرج وجب عليه الحجّ إذا كان الزائد ــ ولو بضميمة غيره ــ وافياً بمصارف الحجّ ذهاباً وإياباً وبنفقة عياله. 

مسألة 23: إذا كان عنده مال لا يجب بيعه في سبيل الحجّ لحاجته إليه ثم استغنى عنه وجب عليه الذهاب إلى الحجّ ولو ببيعه وصرف ثمنه في نفقته، مثلاً: إذا كان للمرأة حلي تحتاج إليه ولا بُدّ لها منه، ثم استغنت عنه لكبرها أو لأمرٍ آخر، وجب عليها أداء فريضة الحجّ ولو توقّف ذلك على بيعها. 

مسألة 24: إذا كانت له دار مملوكة، وكانت بيده دار أُخرى يمكنه السكنى فيها ــ كما إذا كانت موقوفة تنطبق عليه ــ ولم يكن في ذلك حـرج عليه، ولا في معرض قصر يده عنها، وجب عليه أداء الحجّ ولو ببيع الدار المملوكة وصرف ثمنها في نفقته إذا كان وافياً بمصارف الحجّ ولو بضميمة ما عنده من المال، ويجري ذلك في الكتب العلمية وغيرها ممّا يحتاج إليه في حياته. 

مسألة 25: إذا كان عنده مقدار من المال يفي بمصارف الحجّ وكان بحاجة إلى الزواج أو شراء دار لسكناه أو غير ذلك ممّا يحتاج إليه، فإن كان صرف ذلك المال في الحجّ موجباً لوقوعه في الحرج لم يجب عليه الحجّ، وإلاّ وجب عليه. 

مسألة 26: إذا كان ما يملكه دَيناً على ذمّة شخص، وكان محتاجاً إليه في تمام نفقـة الحجّ أو في بعضها، فإن كان الدَين حالاً والمدين باذلاً عُدّ مستطيعاً، ووجب عليه أداء الحجّ ولو بمطالبة دَينه وصرفه في نفقته.

وكذا إذا كان المدين مماطلاً وأمكن إجباره على الأداء ولو بالرجوع إلى المحاكم الحكومية، أو كان جاحداً وأمكن إثباته وأخذه أو التقاصّ منه، أو كان الدَين مؤجّلاً وبذله المدين من قبل نفسه قبل حلول الأجل، دون ما إذا توقّف بذله على مطالبة الدائن مع فرض كون التأجيل لمصلحة المدين كما هو الغالب. 

وأما إذا كان المدين معسراً أو مماطلاً ولا يمكن إجباره، أو كان الإجبار حرجيّاً عليه، أو كان منكراً ولا يمكن إثباته ولا التقاصّ منه، أو كان ذلك مستلزماً للحرج والمشقّة، أو كان الدَين مؤجّلاً والتأجيل لمصلحة المدين ولم يبذل الدَين قبل حلول الأجل، ففي جميع ذلك إن أمكن بيع الدَين بأقلّ منه ــ ما لم يكن مجحفاً بحاله ــ بشرط وفائه بمصارف الحجّ ولو بضميمة ما عنده من المال، وجب عليه الحجّ، وإلاّ لم يجب. 

مسألة 27: كلّ ذي حرفة كالحدّاد والبنّاء والنجّار وغيرهم ممّن يفي كسبهم بنفقتهم ونفقة عوائلهم يجب عليهم الحجّ إذا حصل لهم مقدار من المال بإرثٍ أو غيره وكان وافياً بالزاد والراحلة ونفقة العيال مدّة الذهاب والإياب. 

مسألة 28: من كان يرتزق من الوجوه الشرعية كالخمس والزكاة وغيرهما، وكانت نفقاته بحسب العادة مضمونة من دون مشقّة، لا يبعد وجوب الحجّ عليه فيما إذا ملك مقداراً مـن المال يفي بذهابه وإيابه ونفقة عائلته، وكذلك من قام أحد بالإنفاق عليه طيلة حياته، وكذلك كلّ من لا يتفاوت حاله قبل الحجّ وبعده من جهة المعيشة إن صرف ما عنده في سبيل الحجّ. 

مسألة 29: إذا انتقل إليه ما يفي بمصارف الحجّ بملكيّة متزلزلة فالظاهر كفاية ذلك في تحقّق الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحجّ، إذا كان قادراً على إزالة حق المنتقل عنه في الفسخ بالتصرّف الناقل أو المغيّر في المال ــ كما في موارد الهبة الجائزة ــ وإلاّ فالاستطاعة تكون مـراعى بعدم فسخ من انتقل عنه، فلو فسخ قبل تمام الأعمال أو بعده كشف ذلك عن عدم تحقق الاستطاعة من الأول، والظاهر أنّه لا يجب الخروج إلى الحجّ في هذا النحو من الملكيّة المتزلزلة إلاّ مع الوثوق بعدم طروء الفسخ، ولا يكفي مجرّد احتمال عدمه.

مسألة 30: لا يجب على المستطيع أن يحجّ من ماله، فلو حجّ متسكّعاً أو من مال شخص آخر ولو غصباً أجزأه. نعم، إذا كان ساتره في الطواف أو في صلاة الطواف مغصوباً فالأحوط وجوباً أن لا يجتزئ به، ولو كان ثمن هديه مغصوباً لم يجزئه إلاّ إذا اشتراه بثمن في الذمّة ووفاه من المغصوب. 

مسألة 31: لا يجب على المكلّف تحصيل الاستطاعة بالاكتساب أو غيره، فلو وهبه أحد مالاً هبة مطلقة يستطيع به لو قبله لم يلزمه القبول، وكذلك لو طلب منه أن يؤجر نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعاً ولو كانت الخدمة لائقة بشأنه. 

نعم، لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحجّ واستطاع بذلك وجب عليه الحجّ. 

مسألة 32: إذا آجر نفسه للنيابة عن الغير في الحجّ واستطاع بمال الإجارة قدّم الحجّ النيابي إذا كان مقيّداً بالسنة الحالية، فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة القادمة وجب عليه الحجّ وإلاّ فلا، وإن لم يكن الحجّ النيابي مقيّداً بالسنة الفعلية قدّم الحجّ عن نفسه إلاّ إذا وثق بأدائه في عام لاحق. 

مسألة 33: إذا اقترض مقداراً من المال يفي بمصارف الحجّ لم يجب عليه الحجّ وإن كان قادراً على وفائه بعد ذلك، إلاّ إذا كان مؤجّلاً بأجل بعيد جداً لا يعتني العقلاء بمثله. 

مسألة 34: إذا كان عنده ما يفي بنفقات الحجّ وكان عليه دَين مستوعب لما عنده من المال أو كالمستوعب ــ بأن لم يكن وافياً لنفقاته لو اقتطع منه مقدار الدَين ــ لم يجب عليه الحجّ على الأظهر. 

ولا فرق في الدَين بين أن يكون حالاً أو مؤجّلاً، إلاّ إذا كان مؤجّلاً بأجل بعيد جداً ــ كخمسين سنة مثلاً ــ ممّا لا يعتني بمثله العقلاء، كما لا فرق فيه بين أن يكون سابقاً على حصول المال، أو بعد حصوله بلا تقصير منه.

مسألة 35: إذا كان عليه خمس أو زكاة وكان عنده مقدار من المال ولكن لا يفي بمصارف الحجّ لو أدّاهما وجب عليه أداؤهما، ولم يجب عليه الحجّ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخمس والزكاة في عين المال أو يكونا في ذمته. 

مسألة 36: إذا وجب عليه الحجّ وكان عليه خمس أو زكاة أو غيرهما من الحقوق الواجبة لزمه أداؤها ولم يجـز له تأخيره لأجل السفر إلى الحجّ، ولو كان ساتـره في الطواف أو في صلاة الطواف أو ثمن هديه من المال الذي تعلّق به الخمس أو نحوه من الحقوق فحكمه حكم المغصوب وقد تقدم في (المسألة 30). 

مسألة 37: إذا كان عنده مقدار من المال ولكنه لا يعلم بوفائه بنفقات الحجّ وجب عليه الفحص على الأحوط لزوماً. 

مسألة 38: إذا كان له مال غائب يفي بنفقات الحجّ منفرداً أو منضمّاً إلى المال الموجود عنده، فإن لم يكن متمكّناً من التصرّف في ذلك المال ولو بتوكيل من يبيعه هناك لم يجب عليه الحجّ، وإلاّ وجب. 

مسألة 39: إذا حصل عنده ما يفي بمصارف الحجّ وجب عليه الحجّ إذا كان متمكّناً من المسير إليه في أوانه، فلو تصرف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة ولا يمكنه التدارك استقرّ الحجّ في ذمّته إذا كان محرزاً لتمكنه من المسير إليه في وقته، دون ما إذا لم يكن محرزاً لذلك على الأظهر.

وفي الصورة الأولى إذا تصرف في المال على النحو المذكور، كما لو باعه محاباة أو وهبه بلا عوض حكم بصحة التصرّف، وإن كان آثماً بتفويته الاستطاعة إذا لم يكن قادراً على أداء الحجّ ولو متسكّعاً. 

مسألة 40: الظاهر أنّه لا يعتبر في الزاد والراحلة ملكيتهما، فلو كان عنده مال أُبيح له التصرّف فيه وجب عليه الحجّ إذا كان وافياً بنفقات الحجّ مع وجدان سائر الشروط. 

نعم، لا يجب الخروج إلاّ إذا كانت الإباحة لازمة أو وثق باستمرارها. 

مسألة 41: كما يعتبر في وجوب الحجّ وجود الزاد والراحلة حدوثاً، كذلك يعتبر بقاءً إلى إتمام الأعمال، فإن تلف المال قبل خروجه أو في أثناء الطريق لم يجب عليه الحجّ، وكشف ذلك عن عدم الاستطاعة من أول الأمر، ومثل ذلك ما إذا حدث عليه دَين قهري، كما إذا أتلف مال غيره خطأ فصار ضامناً له ببدله. 

نعم، الإتلاف العمدي لا يسقط وجوب الحجّ، بل يبقى الحجّ في ذمته مستقرّاً، فيجب عليه أداؤه ولو متسكّعاً. 

هذا، وإذا تلفت بعد تمام الأعمال أو في أثنائها مؤونة عوده إلى بلده، أو تلف ما به الكفاية من ماله في بلده، فهو لا يكشف عن عدم الاستطاعة من أول الأمر، بل يجتزئ حينئذٍ بحجّه، ولا يجب عليه الحجّ بعد ذلك. 

مسألة 42: إذا كان عنده ما يفي بمصارف الحجّ لكنه جهل ذلك أو غفل عنه، أو كان جاهلاً بوجوب الحجّ أو غافلاً عنه، ثم علم أو تذكّر بعد أن تلف المال وزالت استطاعته، فإن كان معذوراً في جهله أو غفلته ــ بأن لم يكن ذلك ناشئاً عن تقصيره ــ لم يستقر عليه الحجّ، وإلاّ فالظاهر استقرار وجوبه عليه إذا كان واجداً لسائر الشرائط حين وجوده.    

مسألة 43: كما تتحقّق الاستطاعة بوجدان الزاد والراحلة تتحقّق ببذلهما عيناً أو ثمناً، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الباذل واحداً أو متعدّداً، فإذا عرض عليه الحجّ والتزم بزاده وراحلته ونفقة عياله ووثق بجريه على وفق التزامه وجب عليه الحجّ، وكذلك لو أُعطي مالاً ليصرفه في الحجّ وكان وافياً بمصارف ذهابه وإيابه وعياله، سواء كان ذلك على وجه الإباحة أم التمليك. نعم، يجري في التمليك المتزلزل والإباحة غير اللازمة ما تقدم في (المسألتين 29، 40).

ولو كان له بعض نفقة الحجّ فبُذل له الباقي وجب عليه الخروج أيضاً، ولو بذل له نفقة الذهاب فقط ولم يكن عنده نفقة العود لم يجب ــ على تفصيل تقدم في (المسألة 22) ــ وكذا إذا لم يبذل له نفقة عياله إلاّ إذا كان عنده ما يكفيهم إلى أن يعود، أو كان لا يتمكّن من نفقتهم مع ترك الحجّ أيضاً، أو لم يكن يقع في الحرج من تركهم بلا نفقة ولم يكونوا من واجبي النفقة عليه. 

مسألة 44: لو أُوصي له بمال ليحجّ به وجب الحجّ عليه بعد موت الموصي إذا كان المال وافياً بمصارف الحجّ وكذا بنفقة عياله ــ على التفصيل المتقدم في المسألة السابقة ــ وكذلك لو وقف شخص لمن يحجّ أو نذر أو أوصى بذلك، وبذل له المتولّي أو الناذر أو الوصيّ وجب عليه الحجّ. 

مسألة 45: لا يعتبر الرجوع إلى الكفاية ــ بالمعنى المتقدم ــ في الاستطاعة البذلية. 

نعم، إذا كان كسوباً في خصوص أيام الحجّ ويعيش بربحه سائر أيام السنة أو بعضها بحيث يعجز عن إدارة معاشه فيه لو خرج إلى الحجّ بالاستطاعة البذلية لم يجب عليه ذلك، إلاّ إذا بذل له نفقته فيه أيضاً. 

ولو كان له مال لا يفي بمصارف الحجّ وبذل له ما يتمم ذلك فالأظهر اعتبار الرجوع إلى الكفاية ــ بالمعنى المتقدم ــ في وجوب الحجّ عليه.

مسألة 46: إذا أُعطي مالاً هبة على أن يحجّ وجب عليه القبول، وأما لو خيّره الواهب بين الحجّ وعدمه، أو أنه وهبه مالاً من دون ذكر الحجّ ــ لا تعييناً ولا تخييراً ــ لم يجب عليه القبول. 

مسألة 47: لا يمنع الدَين من الاستطاعة البذلية. نعم، إذا كان الخروج إلى الحجّ منافياً لأداء الدَين في وقته، سواء كان حالاً أو مؤجّلاً، لم يجب عليه الحجّ. 

مسألة 48: إذا بُذل مال لجماعة ليحجّ أحدهم، فإن سبق أحدهم بقبض المال المبذول وجب عليه الحجّ دون الآخرين، ولو ترك الجميع مع تمكّن كلّ واحد منهم من القبض فالظاهر عدم استقرار الحجّ على أيّ منهم. 

مسألة 49: لا يجب بالبذل إلاّ الحجّ الذي هو وظيفة المبذول له على تقدير استطاعته، فلو كانت وظيفته حجّ التمتّع فبذل حجّ القِران أو الإفراد لم يجب عليه القبول، وبالعكس، وكذلك الحال لو بذل لمن حجّ حجّة الإسلام. 

وأما من استقرّت عليه حجّة الإسلام وصار معسراً فبُذل له وجب عليه القبول إذا لم يتمكّن من أدائه إلاّ بذلك، وكذلك من وجب عليه الحجّ لنذر أو شبهه ولم يتمكّن منه. 

مسألة 50: لو بذل له مال ليحجّ به فتلف المال أثناء الطريق سقط الوجوب. نعم، لو كان تمكّناً من الاستمرار في السفر من ماله بأن كان مستطيعاً من موضعه وجب عليه الحجّ وأجزأه عن حجّة الإسلام، إلاّ أن الوجوب حينئذٍ مشروط بالرجوع إلى الكفاية. 

مسألة 51: لو وكّله في أن يقترض له ويحجّ به لم يجب عليه الاقتراض. نعم، لو اقترض له وجب عليه الحجّ. 

مسألة 52: الظاهر أن ثمن الهدي على الباذل، ولو لم يبذله وبذل بقية المصارف ففي وجوب الحجّ على المبذول له إشكال، إلاّ إذا كان متمكّناً من شرائه من ماله. نعم، إذا كان صرف ثمن الهدي فيه موجباً لوقوعه في الحرج لم يجب عليه القبول، وأمّا الكفّارات فالظاهر أنّها واجبة على المبذول له دون الباذل.

مسألة 53: الحجّ البذلي يجزئ عن حجّة الإسلام، ولا يجب عليه الحجّ ثانياً إذا استطاع بعد ذلك. 

مسألة 54: يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في الإحرام أو بعده، لكن إذا رجع بعد الدخول في الإحرام وجب على المبذول له إتمام الحجّ إن لم يكن في ذلك حرج عليه وإن لم يكن مستطيعاً فعلاً على الأظهر، وعلى الباذل ضمان ما صرفه للإتمام والعود. وإذا رجع الباذل في أثناء الطريق وجبت عليه نفقة العود. 

مسألة 55: إذا أُعطي من الزكاة من سهم سبيل الله على أن يصرفها في الحجّ، وكان في ذلك مصلحة عامة، وأذن فيه الحاكم الشرعي ــ على الأحوط وجوباً ــ وجب عليه الحجّ، وإن أُعطي من سهم السادة أو من الزكاة من سهم الفقراء واشترط عليه أن يصرفه في سبيل الحجّ لم يصحّ الشرط، ولا تحصل به الاستطاعة البذلية. 

مسألة 56: إذا بذل له مال فحجّ به ثم انكشف أنه كان مغصوباً لم يجزئه عن حجّة الإسلام وللمالك أن يرجع إلى الباذل أو إلى المبذول له، لكنّه إذا رجع إلى المبذول له كان له الرجوع إلى الباذل إن كان جاهلاً بالحال، وإلاّ فليس له الرجوع إليه. 

مسألة 57: إذا لم يكن مستطيعاً فحجّ تطوّعاً أو حجّ عن غيره تبرّعاً أو بإجارة لم يكفه عن حجّة الإسلام، فيجب عليه الحجّ إذا استطاع بعد ذلك. 

مسألة 58: إذا اعتقد أنه غير مستطيع فحجّ قاصداً امتثال الأمر الندبي ثم بان أنه كان مستطيعاً أجزأه ذلك، ولا يجب عليه الحجّ ثانياً. 

مسألة 59: لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحجّ إذا كانت مستطيعة، كما لا يجوز للزوج منع زوجته عن غير حجّة الإسلام من الحجّ الواجب عليها. 

نعم، يجوز له منعها من الخروج في أول الوقت مع سعة الوقت، والمطلقة الرجعية كالزوجة ما دامت في العدة.

مسألة 60: لا يشترط في وجوب الحجّ على المرأة وجود المحرم لها إذا كانت مأمونة على نفسها، ومع عدم الأمن يلزمها استصحاب من تأمن معه على نفسها ولو بأُجرة إذا تمكنت من ذلك، وإلاّ لم يجب الحجّ عليها. 

مسألة 61: إذا نذر أن يزور الحسين B في كلّ يوم عرفة ــ مثلاً ــ واستطاع بعد ذلك وجب عليه الحجّ وانحلّ نذره، وكذلك كلّ نذر يزاحم الحجّ. 

مسألة 62: يجب على المستطيع الحجّ بنفسه إذا كان متمكّناً من ذلك، ولا يجزئ عنه حجّ غيره تبرّعاً أو بإجارة. 

مسألة 63: إذا استقرّ عليه الحجّ ولم يتمكّن من الحجّ بنفسه لمرض أو حصر أو هرم، أو كان ذلك حرجاً عليه ولم يرج تمكنه من الحجّ بعد ذلك من دون حرج، وجبت عليه الاستنابة. وكذلك من كان موسراً ولم يتمكّن من المباشرة أو كانت حرجية عليه، ووجوب الاستنابة فوري كفوريّة الحجّ المباشري. 

مسألة 64: إذا حجّ النائب عمّن لم يتمكّن من المباشرة فمات المنوب عنه مع بقاء العذر أجزأه حجّ النائب وإن كان الحجّ مستقرّاً عليه. 

وأما إذا اتفق ارتفاع العذر قبل الموت فالأحوط وجوباً أن يحجّ هو بنفسه عند التمكّن. وإذا كان قد ارتفع العذر بعد أن أحرم النائب وجب على المنوب عنه الحجّ مباشرة وإن لزم النائب إتمام عمله على الأحوط وجوباً. 

مسألة 65: إذا لم يتمكّن المعذور من الاستنابة سقط الوجوب، ولكن يجب القضاء عنه بعد موته إن كان الحجّ مستقرّاً عليه، وإلاّ لم يجب، ولو أمكنه الاستنابة ولم يستنب حتى مات وجب القضاء عنه.

مسألة 66: إذا وجبت الاستنابة ولم يستنب ولكن تبرّع متبرّع عنه لم يجزئه ذلك ولزمته الاستنابة على الأحوط وجوباً. 

مسألة 67: يكفي في الاستنابة: الاستنابة من الميقات، ولا تجب الاستنابة من البلد. 

مسألة 68: من استقرّ عليه الحجّ إذا مات بعد الإحرام للحجّ في الحرم أجزأه عن حجّة الإسلام، سواء في ذلك حجّ التمتّع والقِران والإفراد، وإذا كان موته في أثناء عمرة التمتّع أجزأ عن حجّه أيضاً ولا يجب القضاء عنه، وإن مات قبل ذلك وجب القضاء عنه وإن كان موته بعد الإحرام وقبل دخول الحرم أو بعد الدخول في الحرم من دون إحرام. 

والظاهر اختصاص الحكم بحجّة الإسلام فلا يجري في الحجّ الواجب بالنذر أو الإفساد، بل لا يجري في العمرة المفردة أيضاً، فلا يحكم بالإجزاء في شيء من ذلك. 

ومن مات بعد الإحرام مع عدم استقرار الحجّ عليه فإن كان موته بعد دخوله الحرم فلا إشكال في إجزائه عن حجّة الإسلام، وأمّا إذا كان قبل ذلك فالظاهر عدم وجوب القضاء عنه. 

مسألة 69: الكافر المستطيع يجب عليه الحجّ وإن لم يصح منه ما دام كافراً، ولو زالت استطاعته ثم أسلم لم يجب عليه. 

مسألة 70: المرتد يجب عليه الحجّ لكن لا يصحّ منه حال ارتداده، فإن تاب صحّ منه، وإن كان مرتدّاً فطرياً على الأقوى. 

مسألة 71: إذا حجّ من يتّبع بعض المذاهب الإسلامية غير مذهبنا، ثم تبع مذهبنا لم يجب عليه إعادة الحجّ إذا كان ما أتى به صحيحاً في مذهبه، أو كان صحيحاً في مذهبنا مع تمشّي قصد القربة منه.

مسألة 72: إذا وجب الحجّ وأهمل المكلّف في أدائه حتى زالت استطاعته وجب الإتيان به بأيّ وجه تمكّن، وإذا مات وجب القضاء من تركته، ويصحّ التبرّع عنه بعد موته من دون أجرة.